ابن شعبة الحراني
29
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
عرضت له فتنة استعصم بالله ، وأمسك يده ولسانه ، وإذا رأى فضيلة انتهز بها ( 1 ) ، لا يفارقه الحياء ولا يبدو منه الحرص ، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل . وصفة الجاهل : أن يظلم من خالطه ويتعدى على من هو دونه ، ويتطاول على من هو فوقه ، كلامه بغير تدبر ، إن تكلم أثم ، وإن سكت سها وإن عرضت له فتنة سارع إليها فأردته ( 2 ) وإن رأى فضيلة أعرض وأبطأ عنها ، لا يخاف ذنوبه القديمة ولا يرتدع فيما بقي من عمره من الذنوب ، يتوانى عن البر ويبطئ عنه ، غير مكترث ( 3 ) لما فاته من ذلك أو ضيعه ، فتلك عشر خصال من صفة الجاهل الذي حرم العقل . * ( موعظة ( 4 ) ) * مالي أرى حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس ، حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب ، وكأن الحق في هذه الدنيا على غيرهم وجب ، وحتى كأن ما يسمعون من خبر الأموات قبلهم عندهم كسبيل قوم سفر عما قليل إليهم راجعون ( 5 ) تبوؤونهم أجداثهم ( 6 ) وتأكلون تراثهم وأنتم مخلدون بعدهم ، هيهات هيهات أما يتعظ آخرهم بأولهم ، لقد جهلوا ونسوا كل موعظة في كتاب الله وأمنوا شر كل عاقبة سوء ولم يخافوا نزول فادحة ( 7 ) ولا بوائق كل حادثة ( 8 ) .
--> ( 1 ) الانتهاز : الاغتنام . ( 2 ) فأردته أي فأهلكته ، أصله الردى بمعنى الهلاك والسقوط . ( 3 ) أي لا يعبأ به ولا يباليه . يقال : اكترث للامر أي بالى به . ( 4 ) في روضة الوافي ص 42 عن الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام عن جابر يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بنا ذات يوم ونحن في نادينا وهو على ناقته وذلك حين رجع من حجة الوداع فوقف علينا فسلم فرددنا عليه السلام ثم قال : مالي أرى حب الدنيا . ذكر الحديث . ( 5 ) يعنى أنهم إذا سمعوا بموت فلان مثلا يظنون أنه قد سافر إلى مكان في الأرض ، ثم يرجع إليهم ثانيا بعد مضى أيام . ( 6 ) وفى بعض نسخ الحديث [ وبيوتهم ] . والأجداث جمع الجدث وهو القبر . ( 7 ) الفادحة : النازلة . والفادح : الصعب المثقل . ( 8 ) بوائق : جمع البائقة وهي الداهية والشر .